السيد محمد الصدر

175

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أهل مكة ، لقدسية الكعبة والحرم المكي الذي كانت فكرته موجودة إجمالا في الجاهلية وأشير إليه في القرآن الكريم كقوله تعالى « 1 » : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ . وقال تعالى « 2 » : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ . هذا . ويمكن أن نقول : إن قوله : الَّذِي أَطْعَمَهُمْ ، يعني لأجل هذا السبب ، بالرغم من كونه نعتا . وهو لا يفيد هذه الجهة لا نحويا ولا أصوليا ، إلّا أن الحدس العرفي يقرر ذلك . وله شواهد في القرآن الكريم كقوله تعالى « 3 » : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ . . . . وقوله « 4 » : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا . . . . وغير ذلك كثير . سؤال : ما معنى أطعمهم ؟ جوابه : إنه على معنى قدم لهم الطعام ومكنهم منه . وهو إما حقيقة أو مجاز . والمراد ليس هو الطعام الحقيقي ، بل مطلق سبل العيش والرزق . كل ما في الأمر : إن إطعامهم إيجابي ، وأمنهم سلبي يعني دفع عنهم أسباب الخوف والبلاء . ومن هنا كان استناده إلى اللّه أوضح ، لأنه ليس باختيار أحد . وإنما هو المدبر . وفي الإمكان حمل هذه النعم على النعم المعنوية ، لأن كيان الإنسان على مستويات متعددة : الجسم والنفس والعقل والروح . وقد جعل اللّه سبحانه لكل منها لذة وألما وخوفا وأمنا . كما يمكن أن نحمل ذلك على المستوى الأخروي . فأطعمهم من جوع يعني : أثابهم في وقت حاجتهم إلى الثواب ، وأمنهم من خوف ، أي من عقاب جهنم .

--> ( 1 ) العنكبوت / 67 . ( 2 ) القصص / 57 . ( 3 ) إبراهيم / 39 . ( 4 ) الأعراف / 43 .